أبو حامد الغزالي
122
تهافت الفلاسفة
له ، بل كان بيانا لنوع الفعل ، كما أنا إذا قلنا « فعل » مباشرة من غير آلة ، لم يكن نقضا ، بل كان تنويعا وبيانا ، وإذا قلنا « فعل » بالاختيار ، لم يكن تكرارا مثل « 1 » قولنا : حيوان إنسان ، بل كان بيانا لنوع الفعل ، كقولنا فعل بآلة ، ولو كان قولنا : « فعل » يتضمن الإرادة ، وكانت الإرادة ذاتية للفعل ، من حيث أنه فعل ، لكان قولنا « فعل » بالطبع متناقضا ، كقولنا فعل ، وما فعل . قلنا : هذه التسمية فاسدة ، ولا بجوز أن يسمى كل سبب بأي وجه كان فاعلا ، ولا كل مسبب مفعولا ، ولو كان كذلك ، لما صح أن يقال : الجماد لا فعل له ، وإنما الفعل للحيوان ، وهذه من الكليات المشهورة الصادقة . فإن . سمى الجماد فاعلا ، فبالاستعارة ، كما قد يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز ، إذ يقال : الحجر يهوى ، لأنه يريد المركز ويطلبه ، والطلب والإرادة حقيقة لا يتصوران إلا مع العلم بالمراد المطلوب ، ولا يتصور إلا من الحيوان . وأما قولكم : إن قولنا : « فعل » عام ، وينقسم إلى ما هو بالطبع ، وإلى ما هو بالإرادة ، فهو غير مسلم ، وهو كقول القائل : قولنا : أراد عام ، وينقسم إلى من يريد مع العلم بالمراد ، وإلى من يريد ، ولا يعلم ما يريد ؛ وهو فاسد ، إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة ، فكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة . وأما قولكم : إن قولنا : « فعل » بالطبع ليس بنقض للأول ، فليس كذلك ، فإنه نقض له من حيث الحقيقة ، ولكن لا يسبق إلى الفهم التناقض ، ولا يشتد نفور الطبع عنه ، لأنه يبقى مجازا ، فإنه لما كان سببا بوجه ما ، والفاعل أيضا سبب ، سمى فعلا مجازا . وإذا قيل : « فعل بالاختيار » فهو تكرير على التحقيق ، كقوله : أراد وهو عالم بما أراده ، إلا أنه لما تصوّر أن يقال : « فعل » وهو مجاز ، ويقال : « فعل » ، وهو حقيقة ، لم تنفر النفس عن قوله « فعل بالاختيار » وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازيا ، كقول القائل : تكلم بلسانه ، ونظر بعينه ،
--> ( 1 ) هو مثال للمقبول لا للمنفى وإن كان وضعه نابيا .